منوعات

شخصيات من بلادي .. حبسة معروف البرزنجي ..!

بقلم /محمد الرفيعي
حبسة أبنة معروف البرزنجي القاص والشاعر والناقد الكردي وهي من سلالة الشيخ أحمد ، وأبنة عم محمود ملك كردستان ، وزوجة الشيخ قادر حفيد ، ولدت في مدينة السليمانية من مواليد عام 1891 ، وهي سيدة كردية مشهورة بعطائها وثقافتها ومساندتها الفعالة لنساء كردستان ، وعرفت باسم حبسة النقيب ؛ وذلك نسبة إلى والدها معروف البرزنجي الذي كان آنذاك نقيباً ، وقد حصل على هذه الرتبة منذ أيام الدولة العثمانية ، حيث كان ممثلاً لسادات شيخان .
وقد نشأت السيدة حبسة في عائلة عرفت بإخلاصها للكورد ، وتربت تربية دينية وعلمية ، إذ أصبحت بعد ذلك واحدة من أهم نساء كوردستان ، وكانت إمرأة محبة للخير وطيبة القلب وذات نفسية طاهرة ، وكانت تمتلك مكاناً خاصاً بها ، إذ كان ملجأً للنساء اللواتي يتعرضن للظلم والقسوة في مدينة السليمانية وضواحيها ، وقدمت في أغلب الأحيان إلى جانب حل مشاكلهم مساعدات مالية لهن ، وبهذا إستطاعت أن تنال مكانة إجتماعية بارزة من بين باقي نساء عصرها .
وبعدها تحول بيتها إلى مركز كوردي إجتماعي ، تعلم فيها النساء الخلق الرفيع في المجتمع ، فضلاً عن إحياء المشاعر الوطنية لكل من يلجأ إليها ، وكان هذا سبب من أسباب شهرتها في أرجاء كوردستان ، في حين تنشغل النساء الأخريات بالتحدث عن الملابس والموديلات النسائية ، كانت السيدة حبسة تتناول من خلال أحاديثها مع باقي النساء الحقوق الوطنية الكوردية وتحقيق الحرية للشعب الكوردي ، وهي من أوائل النساء الكورديات اللواتي درسنا باللغة الكوردية وزيادة على ذلك هي من الأوائل التي قامت بأفتتاح مدرسة وأرسلت بناتها للدراسة فيهن .
وفي عام 1930 ساهمت حبسة في تأسيس أول جمعية نسوية حملت أسم جمعية نساء الكورد وذلك بإشراف مباشر من قبلها ، وأعتبرت تلك الجمعية أول جمعية نسائية تدافع عن حقوق المرأة في البدايات الأولى من القرن الماضي على مستوى الشرق الأوسط بأكمله .
وعندما تأسست جمهورية كردستان في مهابات 1946 برئاسة القائد القاضي محمد , قدمت السيدة حبسة النقيب دعماً مادياً بكل ما ملكت لمساعدة هذه الجمهورية وبالمقابل نالت شكر وتقدير من قبل القائد القاضي محمد .
وكان لها دور بارز في أنتشار العلم والتعليم بين صفوف نساء الكورد , وقامت بتأسيس مدرسة لتعليم النساء الكرد داخل أحد بيوتها التي وهبته من أجل القضاء على الجهل والتخلف أنذاك , حيث كانت تباشر الدراسة فيها في المساء , وكانت حبسه خان أحد طلاب تلك المدرسة وأنسبت هذه المدرسة بعد ذلك الى وزارة التربية ، وكانت محل فخر وتقدير من قبل كافة أطياف الشعب الكردي.
ولم يقتصر الأمر على تقديمها المساعدات للأعمال الخيرية فقط بل أن النضال القومي شغل أيضاً أهتمامها كثيراً , إذ أنها وقفت موقفاً نضالياً مشرفاً من أنتفاضات أبن عمها الشيخ محمود الحفيد وتعرضت مع زوجها الشيخ قادر الحفيد ( أبن عمها ) وأقاربها إلى الكثير من المعاناة والمصاعب جراء الاخفاقات التي تعرض لها الشيخ محمود ولاسيما في أعقاب أنتكاسة أنتفاضته الأولى وأسره ثم نفيه إلى الهند أنذاك ، حيث عانت حبسة خان أسوة بأقارب الشيخ الحفيد ومقربيه من ظروف التشرد وضنك العيش داخل الحدود الإيرانية رغم الألتفاتة الودية التي خصها بهم هناك رجال العشائر الكوردية الإيرانية ، كما وجهت حبسة خان رسائل ونداءات عدة إلى أحرار العالم للوقوف مع حقوق وتطلعات شعبها الكوردي المظلوم و بضمنها رسالتها الهامة الموجهة إلى عصبة الأمم عام 1930م بشأن تلبية المطالب القومية العادلة للكورد والتي تنكرت لها الحكومة العراقية وحليفتها بريطانيا ، ثم سلكت فيما بعد موقفاً قومياً مشرفاً من جمهورية كوردستان مهاباد عام 1946 التي أيدتها وساندتها بإخلاص منذ ميلادها فأثنى عليها الزعيم قاضي محمد ؛ بسبب ذلك وأعرب لها من خلال رسالته الودية الموجهة إليها عن خالص الوفاء والأمتنان .
والواقع أن حسبة خان كرست جل عمرها من أجل مثلها ومبادئها العليا وقيمها النبيلة التي آمنت بها وعملت من أجلها بإخلاص طويلاً وضحت في سبيلها بالكثير من طاقاتها وممتلكاتها ، وظلت حتى نهاية عمرها نصيرة الفقراء والمحتاجين والغرباء وعابري السبيل الذين أغدقت عليهم بسخائها المعهودة وشملتهم باللطف والود ، ونستذكر هنا موقفها الإنساني النبيل من السجناء البصريين القابعين في سجن السليمانية الذين طلبوا منها مساعدتهم في ذلك الظرف الصعب المحيط بهم وهم غرباء ويبعدون بمئات الكيلومترات عن أهلهم ، فبادرت حبسة خان وعلى دأبها المعروف بتلبية طلبهم ورعايتهم طيلة وجودهم في السليمانية عندئذ ، وجاء في نص رسالتها الموجهة اليهم بهذا الشأن ” أعتبروا أنفسكم ضيوفي طيلة وجودكم في السليمانية وأطلبوا مني ما يطلبه الأبناء من أمهاتهم وأنني هنا بمثابة أمكم الى أن تقر عيونكم بلقاء أمهاتكم ” .
ومن خلال الرسالة التي بعثتها السيدة حبسة سنة 1930 إلى منظمة عصبة الأمم ، التي كان مقرها في جنيف دعت من خلالها تقرير مصير الكورد في أطار كوردستان ، وكانت لهذه الدعوة صدى واسع في تلك الآونة ، ولاسيما في تلك العصور المظلمة التي عاشها الأكراد.
وهكذا عاشت حبسة خان دائبة على الخير والعطاء والموافق الوطنية والانسانية الرفيعة إلى أن توفيت أثر أصابتها بمرض السرطان عن عمر يناهز 62 عاماً ، في عام 1953 ، ودفنت في مقبرة سيوان ، وتركت فراغاً واسعاً في مجال دفاعها عن الحرية وحقوق المرأة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: