تقارير و تحقيقات

قريّة النبيّ صموئيل المقدسيّة

سندباد/

بقلم الباحثة الفلسطينية/ جومانة محمود الصالح

1ـ الموقع الجغرافي: تقع قرية النبي صموئيل على تلة شمال غرب مدينة القدس المحتلة، “وترتفع 859 متراً فوق سطح البحر، تبعد عن القدس قرابة 4 كيلو متر إلى شمال غرب القدس، وتقدر مساحتها 2261 دونم” (دليل قرية النبي صموئيل، معهد الأبحاث التطبيقية، القدس، 2012، ص4 بتصرف)، وتعدّ أعلى تلال القدس؛ حيث تشرف القرية على مدينة القدس كإشراف جبل قاسيون على مدينة دمشق الفيحاء، وقد عُزلت القرية عن مدينة القدس وعن الضفة الغربية بالجدار الفاصل الذي تم إنشاؤه مؤخراً من قبل السلطات الصهيونية فأصبحت مثل السجن الصغير معزولة عن المدن والقرى التي تحيط بها، وتعتبر قرية النبي صموئيل المقدسية من أهم القرى الزراعية ذات التربة الخصبة التي تنتج الخضراوات والحبوب ولا سيما السمسم، وتزرع المحاصيل الزيتية والعلفية وأشجار الزيتون والحمضيات والتفاح واللوز والجوز.

2ـ تاريخ القرية: دلت الحفريات الأثرية في قرية النبي صموئيل إلى أن تاريخ القرية يعود إلى العصور الحجرية من خلال الآثار المكتشفة، ومرّت القرية بأحداث تاريخية من خلال تعاقب عدة حضارات في منطقة الشرق من الكنعانيين والفرس واليونان والرومان والبيزنطيين الذين سيطروا على منطقة شرق البحر المتوسط في تلك الفترة ومنها مدينة القدس، وشهدت المنطقة أيضاً الحملات الصليبية المتتالية، وعصر الدولة الإسلامية من العهد الأموي والعباسي ـ حيث تم إنشاء مركز صناعي لإنتاج الفخار في قرية النبي صموئيل، ومن خلال الحفريات الأثرية عثر على الكثير من الأواني الفخارية التي تعود إلى تلك الفترة ـ إلى العهد الأيوبي الذي نشبت فيه معركة حامية الوطيس بين الصليبيين والمسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي الذي حرر مدينة القدس واستعادها من أيدي الصليبيين في معركة حطين عام 1187م، ودخل إلى القرية و حول القلعة البيزنطية إلى مسجد عام 1720م وقام بتدمير الحصن والأسوار التي أنشأها الصليبيون في القرية؛ حتى لا يعودوا إلى المكان، إضافةً إلى العهد المملوكي الذي تمركز في منطقة بلاد الشام ومصر، وصولاً إلى العهد العثماني الذي بدأ في الوطن العربي بعد معركة مرج دابق شمال حلب في سوريا عام 1516م حيث وقعت المنطقة العربية حينها تحت السيادة العثمانية ما يقارب الأربعة قرون اهتم العثمانيون بقرية النبي صموئيل باعتبارها إحدى قرى بيت المقدس لا سيما بالمسجد الموجود فوق المقام الذي عدّ وقف إسلامي تابع للعثمانيين آنذاك، وفي عام 1916 وُضعت فلسطين تحت الوصاية الدولية حسب اتفاقية سايكس بيكو التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا، و تنفيذاً لمؤتمر سان ريمو عام 1920 وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني الذي سمح بهجرة اليهود من جميع أنحاء العالم إلى فلسطين من أجل تحقيق حلم الدولة القومية اليهودية بعد منح بلفور وزير خارجية بريطانيا وعداً للصهاينة في تأسيس دولتهم المنشودة، وفي نيسان عام 1948 تعرضت قرية النبي صموئيل إلى محاولة احتلال فاشلة من قبل قوات البلماح الصهيوني، فبعد “الاستيلاء على يافا وضعت القوات الصهيونية خطة جديدة لاحتلال القدس أطلقت عليها اسم عملية (يبوسي) وتقضي العملية بالهجوم على المدينة من ثلاثة محاور: قرية النبي صموئيل من الشمال، وأريحا من الشرق، وبيت لحم من الجنوب، وعُيّن (إسحاق ساديه) قائد البلماح قائداً للعملية، وفي 23 نيسان وقع الهجوم على النبي صموئيل وكان هجوماً فاشلاً تكبد فيه الغزاة خسائر فادحة (35) قتيلاً، ولم تحقق نتائج ملموسة”

(د.اشتية، محمد، موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية، دار الجليل للنشر، عمان ، 2011، ص313) وفي عام 1967م دخلت إلى القرية حامية أردنية للدفاع عن القدس خلال حرب حزيران، ومع بدء المعارك سحب قائد الحامية قواته فسقطت القرية وتم احتلالها من قبل قوات الكيان الصهيوني التي عاثت فيها فساداً وتدميراً، فالخنادق التي نشاهدها على جانبي المسار في القرية هي من بقايا حرب الاستقلال أثناء فشل الهجوم الذي شنه البلماح، واستخدمت الخنادق أيضاً أثناء التصدي لحرب حزيران 1967
قامت قوات الكيان الصهيوني بعد السيطرة على القرية بهدم المنازل عام 1972م وصادرت القسم الآخر من المنازل بذريعة قدسية المقام من أجل بناء مرافق خدمية للسيّاح حول الموقع الأثري وبنت فيه كنيساً لليهود، وما لبثت أن بدأت السلطات الصهيونية بالحفريات والتنقيب على الآثار في القرية عام 1991م رغم أنها لم تجد شيئاً من الآثار الإسرائيلية المزعومة التي تعود إلى العهد القديم.

بالعودة إلى اتفاقية أوسلو الثانية الموقعة في الثامن والعشرين من أيلول عام 1995م “تم تصنيف أراضي القرية كجزء من مناطق (ج) وهي مناطق تقع تحت السيطرة الصهيونية أمنياً وإدارياً؛ حيث يمنع الفلسطيني من البناء أو الاستفادة من أراضي القرية إلا بتصريح من الإدارة المدنية الإسرائيلية” (دليل قرية النبي صموئيل، القدس، 2012، ص13)

3ـ مقام النبي صموئيل: سُميت القرية بهذا الاسم نسبةً إلى مقام النبي صموئيل، ويمثل المقام تاريخ الشعب العربي في فلسطين، ويحمل بين حجارته حضارة الشعب الكنعاني لينقل لنا تراث الآباء والأجداد في ذلك الوقت، المقام بناء أثري عمره آلاف السنين يحمل في طياته قصص من الماضي التليد، وحكايات عاشها الشعب مع الأنبياء على الأرض المقدسة، وجدير بالذكر أن حجارة المقام ونمط بنائه يختلف في أجزائه المعمارية لأنها أنشئت في فترات زمنية مختلفة، وتم ترميمها أيضاً في فترتي العهد العثماني والانتداب البريطاني، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن ظاهرة تشييد المباني فوق القبور هي ظاهرة سادت منطقة البحر المتوسط؛ “لتكون ذكرى خالدة لزيارتها وللدعاء وتقديم النذور، وإقامة الصلوات والمواسم والاحتفالات الدينية، وملجأ للمسافرين وعابري السبيل” (الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثالث، ص257)
فالمقام في اللغة: اسم الموضع أو المنزلة، وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين رفع بناء البيت، وقد ذكر في القرآن الكريم ” إنّ أول بيت وضع للناس ببكة مباركاً وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم” (القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 97)، حيث اصطلح إطلاق اسم المقام على ضريح الأنبياء والأولياء وأهل الصلاح والتقوى، أما بعض العلماء “فقد ردها إلى أصل يوناني (Mokamo= وتعني القبر)” (الولي، طه، المساجد في الإسلام، ص107).
وفقاً للمعتقدات اليهودية في التوراة فهذا المكان يرتبط ببلدة الرامة التوراتية؛ المكان الذي دفن فيه النبي صموئيل الموجود في كهف تحت الحصن المنتصب على قمة الجبل، “فعلى بُعد الستة أميال من القدس، المدينة المقدسة، تقع مدينة أرمائم (رامة ـ النبي صموئيل) التي ولد فيها النبي صموئيل العظيم” (د. زكار، سهيل، الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية، ج 34، دمشق ، 1998، ص 403) ، وقد أقيم في العصر البيزنطي دير في القرية تكريماً للنبي صموئيل، وفي أثناء الاحتلال الصليبي شيد الصليبيون كنيسة فوق الدير في حوالي عام 1157م، وفي أعقاب انتصار المسلمون في معركة حطين عام 1187م وفتح القدس على يد القائد صلاح الدين الأيوبي تحولت الكنيسة في أجزاء منها إلى مسجد، وفي عام 1523م أصدر السلطان العثماني آنذاك سليمان القانوني مرسوماً كلف به السلطات المحلية بهدم جناح الكنيسة المتبقي وتحويل الموقع بالكامل إلى مسجد، في عام 1948 احتل الصهاينة فلسطين، وتعرضت القرية إلى محاولة احتلال فاشلة من قبل البلماح الصهيوني، ثم عادت لاحتلالها عام 1967م حيث بقي المسجد في مكانه في الدور الأرضي، لكن السلطات الإسرائيلية سيطرت على المقام المتواجد في مغارة أسفل المسجد لتحول المقام إلى كنيس.

ومن الطبيعي أن يتبادر إلى ذهن القارئ عدة أسئلة عن صموئيل، فمن هو صموئيل؟
ذكر الطبري أن صموئيل هو “نبي الله جاء بعد يوشع عليه السلام، وقبل داوود عليه السلام، بعثه الله إلى بني إسرائيل بعد أن طغوا في الأرض، وهو أول الأنبياء العبرايين بعد موسى وقد أُشير إلى قصته في القرآن الكريم في سورة البقرة حيث ظهر لبني إسرائيل في فلسطين عدو لهم يدعى “جالوت” فأرسل الله لهم النبي صموئيل لكن قومه كذبوه وقالوا له: إن كنت صادقاً ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، فبعث الله لهم “طالوت” ملكاً حيث اصطفاه الله على غيره و زاده بسطة في العلم والجسد” (الطبري، جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، ج5، ط1، 1225هـ، ص 297)، ويجدر الإشارة هنا إلى أن النبي صموئيل لم يذكر باسمه الصريح في القرآن الكريم إنما تمت الإشارة إليه في عدة مواضع من سورة البقرة، حيث ورد اسمه الصريح في سفر صموئيل في الكتاب العبري، وذكر اسمه أشمويل لن ألقانة بن يروحام نبي من أنبياء بني إسرائيل.

4ـ الحالة الاجتماعية: نشأت حالة من التوتر بين الفلسطينيين واليهود بسبب طرد الأخير العرب من أراضيهم والسيطرة عليها، وبسبب القوانين التي لا تساوي بين العرب واليهود، كما وتمنع سلطات الاحتلال سكان القرية من إدخال مواد تموينية إلى القرية فيضطر سكانها إلى استئجار سيارات بلوحات إسرائيلية بكلفة عالية جداً لنقل مشترياتهم إلى القرية، ولا بدّ من الإشارة إلى أن سكان القرية ما زالوا يحملون البطاقات الفلسطينية؛ لذا منعوا من دخول القدس المحتلة بدون الحصول على تصاريح، وإذا أرادوا الحصول على تصاريح فإنهم يضطرون إلى السفر شمالاً نحو حاجز قلنديا للدخول إلى القدس وهي رحلة تستغرق ما يقارب الساعتين في حين تستغرق رحلتهم من القرية إلى مدينة القدس ما يقارب الربع ساعة قبل نصب الحواجز؛ هذا في سبيل التضييق على السكان لطردهم من أراضيهم وتهجيرهم للسيطرة على القرية.
وعلى صعيد الخدمات الأساسية والبنى التحتية حُرمت القرية منها، فلا يوجد فيها سوى مدرسة واحدة وهي (مدرسة النبي صموئيل الأساسية المختلطة)، خاصة للمرحلة الابتدائية، تتألف من غرفة واحدة فقط، ورغم ذلك هي مهددة بالهدم بين الفينة والأخرى من قبل السلطات الإسرائيلية التي ترفض بناء غرفة صفية أخرى، لذا يضطر أطفال القرية الذين تأهلوا إلى المرحلة الإعدادية الذهاب إلى مدارس الضفة الغربية وتحمل معاناة السفر والتضييق عليهم من قبل الصهاينة من خلال التفتيش والعنصرية اللامحدودة.
لا يوجد في القرية مؤسسات حكومية، بل مؤسسات محلية فقط تتكون من مجلس قروي تأسس عام 1995، وجمعية النبي صموئيل وهي جمعية نسوية تأسست عام 2006.

5ـ التهويد في القرية: قامت السلطات الإسرائيلية بهدم البيوت المحيطة بالمسجد ونقل سكانها إلى البيوت الفارغة التي هُجر أهلها منذ عام 1967؛ بحجة البحث عن الآثار الإسرائيلية التي لم يجدوا منها شيئاً، وقامت السلطات الإسرائيلية أيضاً بترميم المنازل التي هدمتها وهجرت أهلها لتضع النقوش التي تمثل نجمة داوود في مقدمة أبوابها في محاولة لاختلاق تاريخ يهودي في فلسطين العربية، وتسيطر الجماعات اليهودية المتدينة على المقام حيث يمضي المئات ليلتي الجمعة والسبت وأيام الأعياد اليهودية هناك حيث ينامون على سطح المقام وفي مدخله وأمام المسجد كالقطعان.

الجامع في القرية شبه مهجور بسبب الإجراءات الصهيونية المتشددة من خلال ضرب المصلين من قبل المستوطنين وإحاطة المسجد بأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة؛ في محاولة لطمس المعالم العربية الإسلامية التي تدل على أحقية الفلسطينيين في المنطقة، والسعي إلى تحويل المسجد إلى مكان أثري وسياحي وحديقة قومية، أما المقام في الطابق السفلي الذي يقع تحت المسجد يتخذه الصهاينة كنيساً لهم بذريعة وجود النبي صموئيل الذي يعتبر من مقدساتهم لوحدهم، أما الطابق العلوي فيه المسجد يفتح عند موعد الصلاة ويغلق مباشرةً خوفاً عليه من اعتداءات المستوطنين، في عام 1995م أصدرت السلطات الإسرائيلية أمراً بتحويل بعض دونمات من أراضي القرية إلى حديقة قومية في محاولة لتهويد القرية وتهجير أهلها واستثمار أراضيها لصالح الكيان الصهيوني، تستقطب الحديقة في الوقت الحاضر سائحين و زائرين أجانب وتقدم السلطات شروحاً خطية لهم عن الموقع استناداً إلى الرواية الصهيونية المزعومة وتغييب الرواية العربية الفلسطينية، وقد أعلنت السلطات الإسرائيلية مؤخراً عن رغبتها في توسيع الحديقة القومية مما يعني مزيداً من التهجير والتشريد والتهويد دون أي تحرك عربي واضح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: